سيد قطب
2841
في ظلال القرآن
الخير وأهل الخير ، لا ينالهم منهم إلا سلاطة اللسان ! « أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ » . . فهذه هي العلة الأولى . العلة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان ، ولم تهتد بنوره ، ولم تسلك منهجه . « فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ » . . ولم ينجحوا لأن عنصر النجاح الأصيل ليس هناك . « وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً » . . وليس هنالك عسير على اللّه ، وكان أمر اللّه مفعولا . . فأما يوم الأحزاب فيمضي النص في تصويرهم صورة مضحكة زرية : « يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا » . . فهم ما يزالون يرتعشون ، ويتخاذلون ، ويخذّلون ! ويأبون أن يصدقوا أن الأحزاب قد ذهبت ، وأنه قد ذهب الخوف ، وجاء الأمان ! « وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ » . . يا للسخرية ! ويا للتصوير الزري ! ويا للصورة المضحكة ! وإن يأت الأحزاب يود هؤلاء الجبناء لو أنهم لم يكونوا من أهل المدينة يوما من الأيام . ويتمنون أن لو كانوا من أعراب البادية ، لا يشاركون أهل المدينة في حياة ولا في مصير . ولا يعلمون - حتى - ما يجري عند أهلها . إنما هم يجهلونه ، ويسألون عنه سؤال الغريب عن الغريب ! مبالغة في البعد والانفصال ، والنجاة من الأهوال ! يتمنون هذه الأمنيات المضحكة ، مع أنهم قاعدون ، بعيدون عن المعركة ، لا يتعرضون لها مباشرة ؛ إنما هو الخوف من بعيد ! والفزع والهلع من بعيد ! « وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا » . . وبهذا الخط ينتهي رسم الصورة . صورة ذلك النموذج الذي كان عائشا في الجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة ؛ والذي ما يزال يتكرر في كل جيل وكل قبيل . بنفس الملامح ، وذات السمات . . ينتهي رسم الصورة وقد تركت في النفوس الاحتقار لهذا النموذج ، والسخرية منه ، والابتعاد عنه ، وهوانه على اللّه وعلى الناس . ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف ، وتلك كانت صورتهم الرديئة . ولكن الهول والكرب والشدة والضيق لم تحول الناس جميعا إلى هذه الصورة الرديئة . . كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام ، مطمئنة في وسط الزلزال ، واثقة باللّه ، راضية بقضاء اللّه ، مستيقنة من نصر اللّه ، بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب . ويبدأ السياق هذه الصورة الوضيئة برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم . « لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ، وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً » . . وقد كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد ، مثابة الأمان للمسلمين ، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان . وإن دراسة موقفه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في هذا الحادث الضخم لما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم ؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر ؛ وتطلب نفسه القدوة الطيبة ؛ ويذكر اللّه ولا ينساه .